بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 19 أكتوبر، 2012

مناقشة ظاهرة




عند انتشار ظاهرة جديدة أو "موضة" يراها المجتمع سلبية , تحصل معركة جديدة وخصوصا إن كانت الظاهرة مستوردة للعالم العربي من الغرب أو الشرق  , هذه المعركة تكون بين المؤيدين والمعارضين من نفس المجتمع , وهو أمر صحي أن يكون هنالك وسائل تسمح لنا بالنقاش وتدارس جوانب كل ما هو جديد سوا كان مبتكر أو مستورد , نقاش حضاري إيجابي .



وهذا ما دعاني لكتابة هذا الموضوع , أن نكون جاهزين لأي نقاش من هذا النوع "مناقشة ظاهرة", حتى لا يكون النقاش سلبي عقيم ويتحول إلى أساءه أو استهزاء من قبل المؤيدين أو المعارضين , الحوار السلبي سينتج في نهاية الأمر نتائج سلبية  , وذالك كان سبب في تفاقم ظواهر سلبية وخطيرة على المجتمع حيث أن الظاهرة وجدت طريقها إلى المجتمع , فهاجمها المجتمع بطريقة سلبية حتى أنقسم المجتمع بين مؤيد ومعارض وبقى الأمر هكذا , لم ينبذ المجتمع الظاهرة ولم يستقبلها بطريقة  مناسبة .

الغزو الفكري و العولمة
أكثر الناقشات التي تدور حول ظاهرة جديدة , تتمحور حول خطورة الظاهرة أو مدى تأثيرها السلبي على المجتمع , نطرح اتهامات حول أنه غزو فكري أو أن الهدف من هذه الظاهرة هو العولمة , فمنذ زمن طويل نسمع عن الغزو الفكري وعن العولمة وكيف أن العالم سيصبح قرية صغيرة , عن أقوام حشدوا طاقاتهم لاستهداف شبابنا وثقافتنا العربية والإسلامية  وهنا سؤالين : هل قاومنا الغزو الفكري والعولمة ؟ هل انهزمنا واستسلمنا؟ يقول محمد الخوالدة : " إن النشأة الحقيقية للعولمة، تبدأ مع استخدام العلم في المجتمع، ثم تبّني الحداثة والتكنولوجيا، وبعد ذلك تبّني ما بعد الحداثة، أي ببزوغ الثورة المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصالات، وازدياد النزعة الإنسانية وحقوق الإنسان. ويؤرخ لها في هذا الإطار في الفكر الحديث بمرحلتين، الأولى بدأت منذ 1800-1900، واستخدمت فيها السيارة والقطار والهاتف، ثم تليها المرحلة الثانية وبدأت منذ 1900، وتطورت فيها ثورة المعلومات وثورة الاتصالات التي ما زالت تتعاظم. ففي المرحلة الأولى تحول العالم من عالم كبير إلى عالم متوسط، وفي المرحلة الثانية تحول العالم من عالم متوسط إلى عالم صغير بفضل تكنولوجيا المعلومات وثورة الاتصالات والمواصلات" .

الكثير من الدراسات والأبحاث تشير أن العولمة تمثل تحدياً حقيقياً للثقافة والهوية الثقافية العربية، عن طريق انتشار الكثير من المظاهر المادية والمعنوية التي لا ترتبط بالثقافة والهوية الثقافية العربية لدى كثير من أبناء العرب ، بالإضافة إلى أن العولمة أّدت إلى صبغ الثقافة العربية بالثقافة الاستهلاكية , مما أدى إلى تراجع دور الأسرة، من خلال اختفاء العديد من العادات والتقاليد فالتواصل وصلة الرحم وزيارات الأقارب تبدلت وأصبحت في حدود ضيقة بفعل الانشغال وبفعل أننا فقدنا أهميتها , ولم نشعر بهذا كله لأننا لم نعرف ماذا نواجه  ومن نواجه , إن عدم الاتفاق بين الباحثين والمفكرين حول تعريف العولمة لاختلاف زوايا النظر إليها، فالسياسيون يعتقدون أن العولمة هي ظاهرة انتهاء الحدود الجغرافية السياسية بين الدول، وميلاد حكومة عالمية واحدة يمتّد أثرها على الناس وهم في دولهم المختلفة، حيث تسهم في تدعيم الحقوق السياسية للأحزاب وحقوق الإنسان وحريته أينما يكون، على اختلاف الدول التي ينتمي إليها في الواقع , والاقتصاديون يعتقدون أن العولمة هي حرية الاقتصاد وانتقال رؤوس الأموال الضخمة، وإقامة الشركات العملاقة وحرية التجارة وانتقال الأموال والسلع والخدمات بين دول العالم من دون قيود تذكر، وأصحاب الثقافة يرون أن العولمة هي ثقافة واحدة تطغى على ثقافات الشعوب الأخرى، فتتعرض الهوية الثقافية الذاتية إلى الجمود والضعف، وبالتالي استلاب الهوية الذاتية وذوبانها في ثقافة العولمة الجديدة، لأنها أصبحت الثقافة الوظيفية التي تلبي احتياجات الإنسان في واقع الحياة , والاجتماعيون يعتقدون أن العولمة تعزيز للطبقات الاجتماعية، وزيادة الفروق بين الطبقات وتعميق البطالة بين الناس، والفقر وانحسار الضمان الاجتماعي، والصراع بين العروق في الدول الإقليمية , والإعلاميون وأصحاب تكنولوجيا المعلومات يرون أن العولمة هي توجه المنظومة الإعلامية والاتصالية إلى الجمهور العالمي عن طريق الفضائيات ، وانتقال المعلومات عبر شبكة الانترنت لجعل العالم قرية كونية صغيرة تتبادل المعلومات بشفافية 

يقول "بات روبرتسون:" لم يعد النظام العالمي الجديد مجرد نظرية ، لقد أصبح وكأنه إنجيل."
وهذه حقيقة لم يستوعبها الكثيرين ممن يهاجمون الظواهر الدخيلة على مجتمعنا العربي والإسلامي  ويهاجمونها بوسائل عقيمة لم توضح خطرها وتبين سلبياتها حتى تفشت بعض الظواهر و تركت تأثيراً سلبياً بالغاً على الثقافة العربية ومن أبرز مظاهر هذا التأثير:
  شيوع الاتكالية والاعتماد على الآخر من غير العربي في المجتمعات العربية وخصوصاً في الميادين الدقيقة  ,  شيوع الثقافة السطحية المتمثلة بالرقص والطرب ,  التبعية الثقافية للعديد من المفكرين والمثقفين والأكاديميين والمؤسّسات العربية للثقافة الغربية وللمؤسّسات الثقافية الغربية , أيضا شيوع الاستهتار لدى فئة الشباب العربي وسعيهم وراء إشباع رغباتهم وحاجاتهم المادية والبيولوجية والبعد عن الإبداع والتجديد والتميّز في الفكر والإنتاج ,  انتشار الكثير من الأمراض الاجتماعية كالخيانة ، وعقوق الوالدين، والشذوذ ,والعلاقات غير الشرعية بين الجنسين



والحل؟
إن شعار احترام الخصوصيات الحضارية واحترام التعددية الثقافية يعد عنصراً أساسياً في عملية رفض أو معارضة الظواهر السلبية بأشكالها المختلفة ، لتحقيق شراكة عالمية متكافئة  وحتى لا تتعرض الثقافة العربية إلى ذوبان ثم تهيمن الثقافات عليها لأن الهيمنة الثقافية أخطر من الهيمنة العسكرية والاقتصادية
على سبيل المثال، أحسَّت أوروبا بنجاح السينما الأمريكية، في استمالة العقول وتعويده على تحبيذ نمط الحياة والاستهلاك على الطريقة الأمريكية فموَّلت مشاريع ثقافية سينمائية بملايين الدولارات لتحافظ على هويتها الثقافية المتميزة , أما في عالمنا العربي دفعت الملايين لاستيراد برامج جاهزة تترجم أو تدبلج , أو على الأقل تكون فكرة أجنبية بأداء عربي , على الرغم من ذالك كثير من البرامج العربية "المبتكرة" وجدت طريقها مثل برامج اليوتيوب , واجمع الكثيرين على نجاحها , لاحظ أنها لم تجد التمويل المؤسساتي من حكومات أو جمعيات أو أحزاب ولكن كانت بمجهود شخصي
أتمنى أن الأفكار الإبداعية سواء كانت إعلامية أو ثقافية أو تجارية تجد الدعم المناسب وتوجه بالطريقة المناسبة , وذالك أفضل من مجرد الهجوم ومحاربة كل ما هو جديد , إن ثقافتنا العربية تملك العناصر اللازمة  لتكون  مؤثرة عالميا  , وذالك في جميع المجالات ولكنها تجد محاربة داخلية وتفتقر للدعم المادي والمعنوي .

شكرا
أحمد النهدي

0 التعليقات:

إرسال تعليق

أعلم أخي الزائر أن تعليقك على الموضوع يسعدني